
منظمة الشفافية الدولية: الفساد في المغرب ينهب أكثر من 50 مليار درهم سنويا
حمّلت منظمة الشفافية الدولية فرع المغرب، الحكومة الحالية بقيادة عزيز أخنوش المسؤولية الكاملة وراء تردي الخدمات الأساسية واتساع الفوارق الاجتماعية، كما أدانت بشدة القمع والاعتقالات التي طالت احتجاجات شباب “جيل زاد” السلمية منذ 27 سبتمبر محذّرة من استمرار نهج “تبضيع” الصحة والتعليم والسكن والشغل لصالح القطاع الخاص في وقت أن الفساد ينهب أكثر من 50 مليار درهم /4.6 مليار أورو/ سنويا من المال العام وكان يمكن توجيهه لتحسين حياة المواطنين.
وقال بيان لمنظمة “ترانسبرانسي” بخصوص الحراك الذي أطلقه شباب “جيل زاد” منذ السابع والعشرين من سبتمبر الماضي، عن المطالب المرفوعة مشروعة وراسخة في المرجعية الدستورية والمواثيق الأممية التي صادق عليها المغرب.
وهذه المطالب، وفق الجمعية جاءت واضحة وصريحة، تتوزع بين الحق في خدمات عمومية ذات جودة في قطاعات الصحة والتعليم والشغل والسكن اللائق، إلى جانب التشبث بحقوق أساسية متمثلة في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، مع دعوات متكررة إلى محاربة الفساد الذي تستنزف كلفته المالية والرمزية ميزانية الدولة وثقة المواطنين على حد سواء.
بالمقابل، شددت “ترانسبارنسي” على أن السلطات العمومية، وكعادتها في التعامل مع الاحتجاجات الشعبية لجأت بشكل تلقائي إلى المقاربة الأمنية بدل الإصغاء والتفاعل مع المطالب، فاختارت القمع والاعتقالات والمتابعات القضائية “الزائفة” كما وصفها البلاغ متجاهلة بذلك الرسالة السياسية والاجتماعية التي بعثها هؤلاء الشباب إلى الدولة.
وأكدت الجمعية أن هذه السياسات القمعية تعكس استمرار نهج قديم في التعاطي مع الحركات الاجتماعية قائم على رفض الإصغاء والانفتاح على الحوار، مقابل الدفع بالمحتجين إلى مربعات التضييق والوصم، عوض معالجة الأسباب العميقة للاحتقان الاجتماعي.
ولم يفت جمعية ترانسبرانسي التذكير بأن الخدمات العمومية الحيوية، التي تشكل اليوم محور مطالب جيل Z، تعاني منذ سنوات طويلة من تراجع مستمر نتيجة السياسات العمومية التي اختارت – وفق تعبيرها – “تبضيع هذه الخدمات وتسليمها تدريجيا للقطاع الخاص”، الأمر الذي فاقم التفاوتات وأضعف إمكانيات ولوج المواطنين إلى حقوق أساسية تعتبر من صميم مقتضيات الدستور فالخصاص المزمن في قطاع الصحة والتعليم وغياب فرص الشغل والسكن اللائق كلها مؤشرات على خلل بنيوي عميق جعل فئات واسعة من الشباب تفقد الأمل في المستقبل وتلجأ إلى الشارع للتعبير عن غضبها.
وفي سياق تقييمها لأداء الدولة، أوضحت الجمعية أن الحكومات المتعاقبة تجاهلت بشكل ممنهج التحذيرات الصادرة عن مختلف الفاعلين السياسيين والنقابيين والحقوقيين، الذين نبهوا مرارا إلى خطورة الاستمرار في السياسات النيوليبرالية “المتوحشة”.
واعتبرت أن هذه الحكومات انحازت باستمرار لمصالح الرأسمال، مكرسة بذلك مزيداً من الأعباء المالية على كاهل المواطنين من خلال ارتفاع تكاليف الخدمات الأساسية التي يقدمها القطاع الخاص ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن الفساد – بحسب البلاغ – ظل ينزف أكثر من 50 مليار درهم سنويا من المال العام، وفق تقديرات خبراء وطنيين ودوليين، وهو رقم ضخم كان من الممكن أن يوجه لتحسين الخدمات العمومية وتخفيف المعاناة عن المواطنين.
وذهبت الجمعية في بيانها إلى تحميل الحكومة مسؤولية إضاعة فرصة الاستجابة لنداءات المواطنين المتكررة، إذ كان بإمكانها التقاط إشارات الغضب التي تجلت بشكل بارز في الاحتجاجات على ما أطلق عليه المواطنون “مستشفى الموت” بمدينة أكادير، باعتباره نموذجا فاضحا لتردي الخدمات الصحية في عدد من المستشفيات العمومية بالمغرب.
غير أن الحكومة – حسب البيان– انشغلت بتمرير قوانين تعزز شرعنة الفساد بدل مواجهته وهو ما يجعل أي تجاوب مع مطالب الشعب، أو التزام جاد باحترام الدستور والقانون، أمرا مستبعدا في ظل النهج الحالي.
ولم يتوقف البيان عند حدود التنديد فقط، بل طالب بشكل صريح السلطات بإطلاق سراح كافة المعتقلين على خلفية هذه الاحتجاجات دون قيد أو شرط، وشددت الجمعية على أن تجاهل أصوات الشباب وعدم الاستجابة لمطالبهم سيؤديان حتماً إلى تعميق الأزمة الاجتماعية والسياسية التي يعرفها المغرب ورأت أن المدخل الحقيقي لتجاوز هذه الأزمة يكمن في الاعتراف بعمق الاختلالات التي أنتجتها السياسات المتبعة، وفتح حوار وطني واسع يضع في صلبه قضايا الصحة والتعليم والشغل والسكن، باعتبارها حقوقاً غير قابلة للمساومة. كما أكدت أن القطع مع منطق الإفلات من العقاب في ملفات الفساد واسترجاع الثقة بين الدولة والمجتمع يشكلان خطوة مركزية لتجسيد قيم الدستور وبناء تعاقد اجتماعي جديد يستجيب لتطلعات الشباب الذين خرجوا إلى الشارع طلباً للكرامة والعدالة.