عطاف: العلاقة بين الجزائر والأمم المتحدة متجذرة

وصف وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، العلاقةُ بين الجزائر ومنظمةِ الأمم المتحدة بالعلاقةٌ المتجذرة، التي تستمدُ جُذورَها من احتضانِ هذه المنظمة للقضية التَّحَرُّرِيَّة الجزائرية وتسجيلِها على جدول أعمال جمعيتِها العامة يوم 30 سبتمبر سنة 1955 كَأَوَّلِ قضيةٍ لتصفيةِ الاستعمار.

قال عطاف، في كلمة، بمناسبة اليوم الوطني للدبلوماسية الجزائرية، بمقر وزارة الخارجية اليوم الأربعاء، إن القضيةُ التحرريةُ الجزائرية كانت أَوَّلَ قضيةِ تصفيةِ استعمارٍ يَتِمُّ إدراجُها بصفةٍ مباشرة على جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وشدد الوزير على أن هذه الخطوة تُمثل حينذاك سابقةً إجرائيةً وقانونية بأتم معنى الكلمة، وتابع : ” ونحن نعيشُ في أيامنا هذه على نفحات الذكرى السبعين لهذا المَعْلَمِ التاريخي، موازاةً مع الذكرى الثمانين لميلاد منظمة الأمم المتحدة”.

الجزائري لا ينسى!

وزير الخارجية، ولدى شرحه سر العلاقة العميقة بين الجزائر والأمم المتحدة، لفت إلى أن الجزائري لا ينسى فَضْلَ الدول الشقيقة والصديقة الثلاثِ عشر التي بادرت في أعقاب مؤتمر باندونغ بتقديم طلب تسجيل قضية الجزائر على جدول أعمال الجمعية العامة. وأضاف قائلا: ” لا ننسى فَضْلَ المملكة العربية السعودية، ومصر، ولبنان، والعراق، وسوريا، واليمن، وإيران، وأندونيسيا، والهند، وباكستان، وأفغانستان، وتايلاندا، وميانمار (بورما سابقاً)، وهي الدول التي وقع ممثلوها لدى الأمم المتحدة بنيويورك على أول رسالةٍ رسمية تُطالبُ بإدراج القضية التحررية الجزائرية على جدول أعمال الجمعية العامة”.

وأكد عطاف أن تاريخَ أُمَّتِنَا وذاكِرَتَنا الوطنية الجماعية “يحتفظان في أشرقِ وألمعِ صفحاتِهِما بأسماءِ هذه الدول التي وَجَدَ فيها استقلالُ الجزائر أَوَّلَ وَأَقْوَى وَأَنْبَلَ سَنَدْ”.

علاقة متميزة وخاصة

السيد عطاف، شدد على أن العلاقةُ بين الجزائر ومنظمةِ الأمم المتحدة هي ثانياً علاقةٌ متميزة، تستمدُ تَمَيُّزَهَا من الإسهام الذي قدمته القضية التحررية الجزائرية في صَقْلِ وترسيخِ مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها على المستوى الأممي. ولمن يتذكر، فإن هذا الإسهام يتجلى في اللائحة التاريخية رقم 1514 للجمعية العامة والمتضمنة “إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المُسْتَعْمَرَة”.

وقال وزير الدولة، إن هذه اللائحة تم اعتمادها يوم 14 ديسمبر 1960، أي ثلاثةَ أيامٍ فقط بعد المظاهرات العارمة التي عرفتها الجزائر في 11 ديسمبر من ذات العام، والتي كانت بمثابة بدايةِ النهاية لاستعمارٍ قَلَّ نظيرُهُ في العالم، شكلاً وممارسةً، عدواناً واضطهاداً، ظُلماً وتجبراً.

وأبرز المتحدث أن الصدى الكبير الذي لاَقَتْهُ القضيةُ التحررية الجزائرية أدى لاحقاً، وبالضبط سنة 1961، إلى تأسيس اللجنة الخاصة لتصفية الاستعمار، أو ما يُعرف اختصاراً بلجنة الأربع والعشرين، وهي الهيئة التي أُوكِلَ لها، وإلى يومنا هذا، مهمَّةُ مُتابعةِ تنفيذِ اللائحة رقم 1514 وما تضمنته من “إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المُسْتَعْمَرَة”.

وأضاف في السياق: “العلاقةُ بين الجزائر ومنظمةِ الأمم المتحدة هي ثالثاً وأخيراً علاقةٌ خاصة، تتجسدُ خصوصيتُها في الخيارِ الذي اتخذته الجزائر في تسعينيات القرن الماضي بربطِ اليوم الوطني لدبلوماسيتِها بتاريخِ انضمامِها للمنظمة الأممية يوم الثامن أكتوبر سنة 1962”.

إرث تاريخي مشهود

ووسط الحديث عن الجزائر وعلاقتها بالأمم المتحدة، لفت السيد عطاف إلى أن الدبلوماسية الجزائرية راكمت إرثاً تاريخياً مَشهوداً من النجاحاتِ التي ارتبطت بنجاحات الأمم المتحدة ذاتها، سواءَ تعلق الأمرُ بقيادةِ المَدِّ التحرري في العالم، أو بِتَقَدُّمِ صفوفِ الساعين والعاملين من أجل قيام نظام دولي جديد، أو بالتَّجَنُّدِ الدائم للمساهمة في إطفاءِ فتيل الأزمات والنزاعات والصراعات. وواصل: “اليوم، يَحُزُّ في أنفسنا، أكثرَ من غيرنا، ما تُوَاجِهُهُ منظمةُ الأمم المتحدة من مَصَاعِبَ عِظَامْ، وَتَحَدِّيَاتٍ جِسَامْ، أَخْفَتَتْ صوتَها، وَغَيَّبَتْ دَوْرَها، وَارْتَهَنَتْهَا لإراداتٍ وممارساتْ، لا تَمُتُّ بصلة للصالح العام الدولي وللمنفعة المشتركة للإنسانية جمعاء”. وتابع: ” يَحُزُّ في أنفسنا أن تُدَاسَ مبادئُ الميثاقِ الأممي، وهي التي وُضِعَتْ لتكونَ نبراسًا للعدالة والسلم بين الأمم، ويَحُزُّ في أنفسنا أيضاً أن يُنْتَهَكَ القانونُ الدولي ويُقَلَّلَ من شأنه، وهو الذي وُضِعَ ليكونَ الضَّامِنَ الأسمى للتعايشِ السلمي المُتحضر والمُتمدن بين الأمم”.

مواقف لا تمليها المصالح الضيقة..

وأكد وزير الشؤون الخارجية، أن الجزائر أثبتت خلال عهدتها في مجلس الامن الأممي كدولةٍ مُنْتَخَبَةٍ، قولاً وفعلاً أن مَوَاقِفَهَا لا تُمْلِيهَا المصالحُ الضيقة أو الحساباتُ الآنية، أو الاعتباراتُ الظرفية، بقدر ما تُمْلِيهَا مبادئُ الحق والقانون، الأصيلة والمتأصلة. وأضاف: “ونحن نقفُ اليوم على مشارف اختتام هذه العهدة، نَحْسَبُ، بكل إيمان وإخلاص، أننا لم نَدَّخِرْ جُهْداً في سبيل الوفاء بالأمانة التي كُلِّفْنَا بها من لدن الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة”.

وما يثبت ويؤكد هذا الأمر، أن دول صديقة وشريكة أكدت في الكثير من المرات أن كانت وبحق، نَصِيرةً للحق في وجه إنكارِه، ونصيرةً للحرية في وجه الاضطهاد، ونصيرةً للعدل في وجه الظلم، وامتثلت، وبصدق، لمبادئِ ومقاصدِ الميثاق الأممي، وفي دَفْعِ مجلسِ الأمن إلى تحمُّلِ مسؤولياتِهِ كاملةً.

أول المعترفين بفلسطين

واستذكر وزير الدولة، احتضان الجزائر للقضية الفلسطينية، مشيرا إلى أنها احتضنتها  بكل فخر، وبكل اعتزاز، وبكل نجاح، وترجم ذلك مؤتمرَ إعلانِ قيامِ الدولة الفلسطينية، ونالت مُذَّاك شَرَفَ شَقِّ طريقِ الاعترافِ الدبلوماسي والرسمي بهذه الدولة، بأن كانت الجزائرُ أَوَّلَ المعترفين بها وَأَوَّلَ من احتضن على أرضه سفارةً مُمَثِّلَةً لها. وأضاف : “واليوم، وفي خِضَمِّ المآسي المُسَلّطَةِ على فلسطين، يَهْتَدِي المجتمعُ الدولي إلى المسارِ الذي تَمَّ التأسيسُ له هنا، على أرض الجزائر، من أجل إنصافِ الشعب الفلسطيني الأبي وتمكينِه من حقوقه الشرعية والمشروعة. وَمَا زَخَمُ الاعترافاتِ الرسمية بالدولة الفلسطينية إلا إقرارٌ دولي بأن قيام هذه الدولة لا غنىً عنه، ولا مفرَّ منه، ولا بديلَ له، في سبيل إنهاءِ الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني واستعادةِ الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بأسرها”.

القضية الصحراوية لا يمكن تسويتها بالالتفاف على الشرعية

وشدد وزير الشؤون الخارجية، على أن الجزائر  تواصل دعمَ كافة الجهود المُنْضَوِيَةِ تحت لِوَاءِ الأمم المتحدة والهادفة لإيجاد حَلٍّ سياسي عادل بشأن قضية الصحراء الغربية، وَحَلٍّ دائم، وَحَلٍّ نهائي لهذا الصراع الذي طال أمده.

وجدد المتحدث تأكيد الجزائر، بأن القضيةَ الصحراوية لا يُمكنُ تَسويتُها بالالتفافِ على الشرعية الدولية، ولا يُمكنُ حَلُّهَا بتجاهلِ إرادةِ الشعب الصحراوي وحَقِّهِ في تقرير مصيره، وَأَنَّ القضيةَ الصحراوية لا يُمكنُ مُعالجَتُها أو التعامُلُ معها خارجَ الإطارِ الذي حَدَّدَتْهُ العقيدةُ الأممية الراسخة في مجال تصفية الاستعمار، تصفيةً حقيقيةً وَمُطَابِقَةً لكل مُقتضياتِ هذه العقيدة المتجذرة.

وتابع في السياق” وبذات القدر، نَظَلُّ على يقينٍ تام أن سياسات الأمر الواقع لم تُفْلِحْ، ولن تُفْلِحَ يوماً، في إطفاءِ جَذْوَةِ الحقوق الوطنية الشرعية والمشروعة. فَجَذْوَةُ الحق قد تَخْبُو، لكنها لا تنطفئُ أبداً !”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى